محمد الغزالي

261

فقه السيرة ( الغزالي )

فما أن رأى الرماة الهزيمة حلّت بقريش ، النساء يهمن في الجبل ، والرجال يولّون الأدبار ، والغنائم التي خلّفها ثلاثة آلاف مشرك تزحم الوادي . . . حتى غادروا مواقعهم هابطين إلى الميدان ، يبغون انتهاب أنصبتهم من الأسلاب والأموال ! . وكان فرسان المشركين بقيادة خالد بن الوليد محصورين ، لا يجدون ثغرة ينفذون منها إلى قلب المسلمين ، إلى أن حلّت الهزيمة ، فلما رأى خالد أنّ مؤخرة المسلمين انكشفت ، فلم يبق عليها حارس ، اهتبل الفرصة على عجل ، فاستدار بالخيل ، وأحدق بخصومه منحدرا عليهم من حيث لا يحتسبون . ورأى الفارّون من قريش بوادر هذا التغير الطارئ ، فتراجعوا ، حتى إنّ امرأة تدعى عمرة بنت علقمة الحارثية هي التي رفعت لواء قريش من التراب ، بعد أن سقط وصرع حملته ، وثاب المشركون إلى رايتهم وخيالتهم فأحيط الصحابة من الأمام والخلف ، ووقعوا بين شقي الرحى . . على أنّ الرجال الأحرار لا يصادون بسهولة ، إنهم شدهوا لما حدث . ولكنّهم أخذوا يقاتلون بحرارة ، وإن كان هدفهم هذه المرة أن ينجوا فحسب ! أن يبصروا طريقا يخلّصهم من هذا المأزق العضوض ! . واستشهد كثير وهم يحاولون شقّ طريقهم ، واستطاع المشركون أن يخلصوا قريبا من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فرماه أحدهم بحجر كسر أنفه ورباعيته وشجّه في وجهه ، فأثقله ، وتفجّر منه الدم « 1 » . وشاع أنّ محمدا صلى اللّه عليه وسلم قتل ، فتفرّق المسلمون ، ودخل بعضهم المدينة ، وانطلقت طائفة فوق الجبل ، واختلطت على الصحابة أحوالهم ، فما يدرون كيف يفعلون . . إلا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم جعل يصيح بالمؤمنين : « إليّ عباد اللّه ، إليّ عباد اللّه » ! فاجتمع إليه نحو ثلاثين رجلا ، غير أنّ المشركين بصروا بهم فهاجموهم ! ووقف طلحة بن عبيد اللّه ، وسهل بن حنيف ، إلى جوار الرسول عليه الصلاة والسلام ، فأصيب طلحة بسهم في يده فشلّها .

--> ( 1 ) رواه ابن جرير في تاريخه عن السدي مرسلا كما في ( البداية ) : 4 / 23 ؛ وكسر رباعيته صلى اللّه عليه وسلم وشج رأسه ثابت في مسلم : 5 / 179 ، من حديث أنس ؛ ورواه البخاري : 7 / 292 ، معلّقا .